الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

59

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

الدليل السادس : قوله تعالى : وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ الرعد : 3 ] : أي جعل في الأرض من جميع أنواع الثمار صنفين اثنين ، والاختلاف إما من حيث الطعم ، كالحلو والحامض ، أو اللون ، كالأسود والأبيض ، أو الحجم ، كالصغير والكبير ، أو الطبيعة ، كالحار والبارد ، وتوضيح ذلك وبيانه أن الحبة إذا وقعت في الأرض نبتت وربت ، وبسبب ذلك ينشق أعلاها وأسفلها ، فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة ، ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة ، وهذا من جانب العجائب ؛ لأن طبيعة الحبة واحدة ، وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد ، ثم إنه خرج من أحد جانبي تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء ، ومن الجانب الآخر جرم غائص في الأرض ، ومن المحال أن يتولد من طبيعة واحدة طبيعتان متضادتان ، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم . ثم إن الشجرة النابتة يكون بعضها خشبا ، وبعضها نورة « 1 » ، وبعضها ثمرة ، وتلك الثمرة يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع ، فالجوز مثلا له أربعة أنواع من القشور ، قشره الأعلى ، وتحته القشرة الخشبية ، وتحته القشرة المحيطة باللب ، وتحت هذه القشرة قشرة أخرى في غاية الدقة تمتاز عما فوقها ، وأيضا فقد يحصل من الثمرة الواحدة الطبائع المختلفة ، فالعنب مثلا قشره وعجمه باردان يابسان ، ولحمه وماؤه حاران رطبان ، فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوى تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لا بدّ وأن يكون بتدبير العليم الحكيم . الدليل السابع : قوله جل شأنه : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [ الرعد : 3 ] : أي يغطى الليل بظلمته النهار ، وكذلك يغطى النهار بضوئه الليل ، فيستدل بفعلهما على ما قدره اللّه تعالى لهما في السير من الزيادة والنقصان ، وقد تقدم لذلك مزيد إيضاح في آية الليل والنهار ، ولما كان غشيان الليل النهار ظاهرة تظهر للناس على سطح الأرض وينتفعون بها في معاشهم ، عدت من الأدلة الأرضية . الدليل الثامن : قوله تعالى : وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [ الرعد : 4 ] : ذكر تعالى دليلا آخر ظاهرا جدا ، وهو أن الأرض التي أنتم سكانها قِطَعٌ بقاع

--> ( 1 ) النورة : الزهرة .